عبد القادر الجيلاني

281

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

إلى عبده زالت الحجب زالت الكدورة سكنت النفس جادت الألطاف جاء الخطاب اذهب إلى فرعون يا قلب ارجع إلى النفس والهوى والشيطان وطرقهم إليّ اهدهم إليّ قل لهم : اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد اتصل ثم انقطع ثم اتصل ثم انقطع ثم اتصل . وقال رضي اللّه عنه في الورع الورع إشارة إلى التوقف في كل شيء وترك الإقدام عليه إلا بإذن من الشرع فإن وجد للشرع فيه فعلا ولتناوله فيه مساغا وإلا تركه الورع على ثلاث درجات ورع العوام وهو ورع عن الحرام والشبهة وورع الخواص وهو ورع عن كل ما للنفس والهوى فيه شهوة وورع خواص الخواص وهو ورع عن كل ما لهم فيه إرادة والورع ورعان ظاهر وهو أن لا يتحرك إلا باللّه تعالى وباطن وهو أنه لا يدخل على قلبك سوى اللّه تعالى ومن لم ينظر في دقائق الورع لم يحصل له نفائس العطاء والورع في المنطق أشد والزهد في الرياسة أصعب والزهد أول الورع كما أن القناعة طريق الرضا . ومن قواعد الورع في الطعام واللباس فطعام المتقي ما ليس للخلق ولا للشرع عليه تبعة ولا لأحد عليه مطالبة وطعام الولي ما ليس فيه إرادة بل فضل من اللّه تعالى فمن لم يتحقق له الوصف الأول لم يصل إلى ما بعد على الترتيب والحلال المطلق هو الذي لا يعصي اللّه به ولا ينسى اللّه تعالى فيه . والناس في اللباس على ثلاثة أضرب فلباس الأنبياء عليهم السلام وهو الحلال المتقدم ذكره سواء كان كتانا أو قطنا أو صوفا أو غير ذلك ولباس الأولياء رضي اللّه عنهم ما وقع به الأمر وهو أدنى ما تستر به العورة وتدعو إليه الضرورة وليتحقق بذلك زوال أهويتهم ولباس البدلاء رضي اللّه عنهم ما جاد به القدر مع حفظ الحدود إما بقيراطه أو حلة بمائة دينار فلا إرادة تسمو إلى الأعلى ولا هو يكسره الأدنى بل ما تفضل به المولى ، ولا يتم الورع إلا أن يرى عشرة خصال فريضة على نفسه أولها حفظ اللسان عن الغيبة لقوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ الحجرات : الآية 12 ] ، والثاني الاجتناب عن السخرية لقوله تعالى : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [ الحجرات : الآية 11 ] ، والرابع غض البصر عن المحارم لقوله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ النّور : الآية 30 ] ، والخامس صدق اللسان لقوله تعالى : وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [ الأنعام : الآية 152 ] أي فاصدقوا ، والسادس أن يعرف منة اللّه تعالى عليه كيلا يعجب بنفسه لقوله تعالى : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ